سعيد عطية علي مطاوع
153
الاعجاز القصصي في القرآن
ثم يأتي النغم الموسيقا متمّما للروعة التي يتميّز بها أسلوب القرآن " 18 . " وهذه هي طريقة الاستهداء الصوتي في اللغة ، وأثرها طبيعي في كل نفس ، فهي تشبه في القرآن أن تكون صوت إعجازه الذي يخاطب به كل نفس تفهمه وكل نفس لا تفهمه ، ثم لا يجد من النفوس علي أي حال إلا الإقرار والاستجابة ولو نزل القرآن بغيرها لكان ضربا من الكلام البليغ الذي يطمع فيه أو في أكثره ، ولما وجد فيه أثر يتعدّى أهل هذه اللغة العربية إلى اللغات الأخرى ، ولكنه انفرد بهذا الوجه للعجز ، فتألّفت كلماته من حروف لو سقط واحد منها أو أبدل بغيره أو أقحم معه حرف آخر ، لكان ذلك خللا بينا أو ضعفا ظاهرا في نسق الوزن وجرس النغمة ، وفي حسّ السمع وذوق اللسان ، وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض " 19 ومثال ذلك ما نجده في قصة إبراهيم عليه السلام : " قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ " ( سورة الشعراء : 75 - 82 ) . فقد خطفت ياء المتكلم في " يهدين ويسقين ويشفين ويحيين " محافظة علي حرف الفاصلة مع " تعبدون ، والأقدمون ، والدين . . . " . ومثله في قصة موسى والعبد الصالح : قال ذلك ما كنا نبغ . فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً " ( سورة الكهف : 64 ) ، فلو مددنا ياء نبغي كما هو القياس لا ختل الوزن نوعا من الاختلال . . وأحيانا لا يكون هناك عدول عن صيغة قياسية ، ومع ذلك نلحظ الموسيقا الكامنة في التركيب ، والتي تختل لو غيرنا نظامه مثل ما جاء في قصة زكريا : " ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا " ( سورة مريم : 2 - 4 ) فلو حاولنا مثلا أن نغيّر فقط وضع كلمة " مِنِّي " فنجعلها سابقة لكلمة " العظم " :